اخبار محلية

حقائق عن الباشا “حمو بلعباس” كواحد من أشهر باشوات المرحلة الاستعمارية الذي حكم الجديدة بقبضة من حديد

عبد الله غيتومي

سنتوقف قليلا عند شخصية وشمت ذاكرة دكالة بشكل غير مسبوق ، وخاصة خلال الفترة التي تزامنت مع الحماية الفرنسية على بلادنا ، الأمر يتعلق بالباشا حمو بلعباس الذي يتحدر أصلا من أولاد بوعزيز الشمالين وبالضبط من الهمامدة ، وليس بالطبع هو الباشا حمو الشارب دمو الذي يتردد ذكره في أغاني شعبية وخاصة السواكن على الطريقة العيساوية ، فهذا الأخير مكناسي عيساوي وهو الذي دأب فنانون على التغني به في أغان للجذبة على نحو ما فعل المرحومان لمغاري ميلود ومحمد ارويشة الباشا حمو الذي نعرض له اليوم هو شخصية تذكر المصادر أنه كان ازدياده حوالي سنة 1875 ، شخص يصفه المجايلون له بأنه طويل القامة ممشوط القوام بلحية بيضاء تضفي عليه باستمرار طابع العفة والوقار .


كان الباشا حمو بلعباس أو الباشا الهمادي كما كان يحلو للبوعزيزيين تلقيبه ، ضمن قائمة من الباشوات والقواد يربو عددهم عن 270 هم طاقم شكل العمود الفقري لإدارة محلية غلى جانب المراقبين المدنيين في المناطق المدنية وضباط الشئون الأهلية في المناطق العسكرية .


ولأن الماريشال ليوطي أول مقيم عام فرنسي القادم لتوه من الهند الصينية ، كان يؤمن بأنه يجب أن نحكم المغاربة بواسطة المغاربة أو ماكان يعرف حكم الماندران بواسطة الماندران تطبيقا للتوسع التدريجي وفق ماكان يعرف بسياسة بقعة الزيت .
وضمن هذا التوجه قر رأي الفرنسيين على حمو بلعباس كي يصبح قائدا أول الأمر ثم باشا على الجديدة وضواحيها ، وهو اختيار راعت فيه فرنسا كون عائلة العبابسة كانت قريبة على الدوام من دار المخزن وتحظى بمساحة مهمة من الاحترام في المجتمع الدكالي .


وتذكر الروايات أن والد حمو بلعباس وكان من أعيان وتجار الحبوب المشهورين يومذاك ، عارض إسناد السلطة إلى ابنه ، وعبر عن رفضه بأن تحزم بشريط وهي إشارة كانت تعني وقتئذ الرفض وعدم الارتياح ، ولكن الباشا حمو رضخ لضغوطات فرنسية ومن الباشا التهامي الكلاوي باشا مراكش والحوز ومنذ انخراطه في سلك السلطة ضمن إدارة محلية ، أظهر الباشا حمو قدرات نادرة في حكم مجاله الترابي سالف الذكر بنوع من الحزم والجدية والصرامة ، حتى أضحى الناس يدينون له من منطلق ُ من اشتدت وطأته وجبت طاعته ُ .


وتذكر الروايات أن الباشا حمو كان يرأس محكمته الخاصة التي يفصل فيها في قضايا مدنية تهم الأهالي فيما بينهم وتهم قضايا المس بمصالح سلطات الحماية ، وكان مقر المحكمة بالمكان الذي كان في السابق مقرا لحزب محمد أرسلان الجديدي وحاليا هو مقر لحزب الأصالة والمعاصرة قبالة مسجد التازي بساحة مولاي يوسف .


كان الباشا يترأس المحكمة التي تحمل إسم محكمة مازكان مرتديا قفطانا من الملف ويساعده مراقب فرنسي ، ومن أحكامه أنه في 21 يناير من سنة 1953 ، أدان مجموعة من الوطنيين كانوا يوزعون منشورات ضد الوجود الفرنسي ومنهم حسن هيكل المعروف بحسن نجاح لارتباط إسمه بمكتبة النجاح وأحمد السرغيني والحاج لحسن المنصور بالله وعبدالله النعامي ، وحكم عليهم جميعا بسنة حبسا نافذا قضوا فترة منها بحبس الصوار الكائنة أطلاله اليوم بالحي البرتغالي ، وسمي بحبس الصوار لأن السجناء كانت تؤخذ لهم صور بمجرد ولوجهم إليه في إطار البدايات الأولى للتشخيص القضائي .


ورغم الانتقادات التي كانت وجهت إلى الباشا حمو في أحكامه ضد الوطنيين ، فإن ساكنة دكالة كانت تردد لازمة الباشا حمو قفطانو كبريتي وحكامو فيريتي ، وذلك اعترافا منها بأنه كان يسهر على القصاص من الظالمين لفائدة المظلومين في تطبيق واضح للمقولة الشائعة مخزن طاغي أحسن من شعب سايب .


وكان الباشا حمو مزواجا إذ لا تذكر المصادر كم كان عدد زيجاته ، وإن كانت تقر بأنه رقم متعدد بين حرات وأخريات مهداة له ، وإن كانت زوجته الرسمية هي ابنة القائد بلحمدونية الذي يرجع إليه فضل بناء مسجد بلحمدونية بقلب مدينة الجديدة .
خلف الباشا عددا كبيرا من الأبناء منهم بوشعيب والعربي والمختار ومصطفى وإدريس وعبدالرحمان وسيدي أحمد وبلعباس ، وللباشا إخوة أشهرهم الخليفة سوميد الذي يعود إليه قصر سوميد .


وكان الباشا محافظا في حياته الخاصة يفرض على كافة أبنائه لباس الجلباب والسلهام والبلغة وطربوش الوطن ، لأن الكثيرين لا يعرفون عنه أنه كان من حفظة كتاب الله ، ومن مريدي الطريقة التيجانية دة التي هي حاليا دار الطالب الكائنة بشارع باستور .
كان الباشا حمو بنى لنفسه قصرا يليق بمقامه كباشا كانت له علاقات صداقة مع المرحوم محمد الخامس الذي زاره في رياضه مرات متعددة ، وقصر الباشا هو الذي سيصبح الآن فندق قصر الأندلس .


وكانت بعض الأعمال شاهدة على تقربه من الله ، بأن بنى في حدود سنة 1947 مسجد الباشا حمو ببوشرط ، ووقف أرضا من ممتلكاته هي التي بنيت فوقها أول خيرية بالجدي عاش الباشا قرابة 100 سنة وترجع مصادرنا ذلك إلى كونه كان نباتيا ، يبتعد كثيرا عن أكل اللحوم ويعشق الخبز المخلوط بشندكورة والعسل البلدي والجبن البلدي وحساء البلبولة وبنفي محمد الخامس سنة 1953 بادرت فرنسا إلى تنصيب محمد بن عرفة سلطانا على البلاد ، وهب باشوات وقواد يتزعمهم الكلاوي إلى مبايعة بن عرفة الذي كان أفلت من محاولة اغتيال من طرف علال بن عبدالله ، وتحت ضغوطات كبيرة انضم الباشا حمو إلى قائمة المبايعين له وعقب الاستقلال وبمقتضى ظهير شريف عدد 103 /59 /بتاريخ 6 رمضان 1377 هجرية الموافق ل27 مارس 1958 ، تم اعتبار 65 من الباشوات والقواد وشخصيات من ضمن الخائنين ومنهم الباشا حمو وصدر الأمر بنزع الأهلية الوطنية عنهم وما ترتب عن ذلك من نزع لممتلكاتهم وحرمانهم من حق الانتخاب والشهادة أمام المحاكم .


وتذكر مصادر أن مرسوما آخر صدر برد الاعتبار إلى العديدين منهم وضمنهم الباشا حمو ، إلا أن هذا الأخير فضل أن يعيش بداخل قصره بنفس الطقوس المخزنية دون أن يتحرك للمطالبة بأراضيه وأملاكه التي سطا عليها أعيان من الجديدة وفي أحد الأيام من سنة 1975 أسلم الباشا الروح إلى خالقه ونظمت له جنازة مهيبة تليق برجل سلطة كان قفطانه كبريتي وحكامو فيريتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: !! المحتوى محمي