فجر جديد في الصحراء المغربية: السيادة تنهي “زمن الوساطة” وتطوي صفحة المينورسو كلياً

بقلم : نورالدين الأودي
باحث في العلوم القانونية وعضو بالودادية الحسنية للقضاة.
دخل ملف الصحراء المغربية منعطفاً تاريخياً حاسماً أعلن فيه المغرب بصيغة قطعية نهاية حقبة دامت خمسة وثلاثين سنة من التدبير الرمادي والوساطات الأممية المتهالكة. ففي أعقاب فشل مجلس الأمن الدولي في تمديد ولاية بعثة “المينورسو” إثر مواجهة الفيتو المتبادل بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، رسم بلاغ الديوان الملكي الصادر في الثلاثين من أكتوبر خارطة طريق استراتيجية جديدة تفرض واقعاً سيادياً لا رجعة فيه على الأرض وتنهي وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ذلك أن عدم تمديد ولاية المينورسو في نيويورك لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي عابر؛ بل كان بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على آلية موروثة عن سياق جيوسياسي عفا عليه الزمن واستغلت طويلاً كأداة لتدويل نزاع إقليمي مفتعل حول الصحراء المغربية. ومن هذا المنطلق أعلن المغرب الشروع المباشر في الترتيبات اللوجستية والتنفيذية لإنهاء وجود البعثة وسحب طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها كلياً من التراب الوطني خلال الأيام القليلة المقبلة، ليتأكد للجميع أن الرباط لم تعد مستعدة لإضاعة المزيد من الوقت في إدارة الأزمات، بل انتقلت إلى هندسة الحل النهائي القائم على مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.
ولعل التأثير الأبرز لهذا التحول يتجسد ميدانياً في ذوبان ما كان يسمى مجازاً بالمنطقة العازلة شرق الجدار الرملي؛ فمع زوال الرقابة والوساطة الأممية، آلت هذه الأراضي بصفة فورية وتلقائية إلى حوزة التدبير العسكري والأمني المباشر للقوات المسلحة الملكية؛ وهو تغيير بنيوي يمنح القوات المغربية الشرعية الميدانية والقانونية الكاملة لتغيير قواعد الاشتباك والتعامل مع أي تحرك مسلح أو محاولة تسلل من قبل جبهة البوليساريو كاختراق حدودي سافر وتهديد إرهابي يستوجب الرد الفوري والحاسم، بعيداً عن قيود وقف إطلاق النار الأممي لعام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين الذي دفنته حسابات المنتظم الدولي في مجلس الأمن.
أما على المستوى السياسي الإقليمي والدولي، فإن بلاغ الديوان الملكي يحمل الأطراف الأخرى المسؤولية القانونية والمؤسساتية الكاملة عن الفراغ الناتج عن إخفاق مجلس الأمن؛ وهو الفراغ الذي يستثمره المغرب بذكاء لسحب الملف كلياً من جدول أعمال الأمم المتحدة وإنهاء الاجتماعات والتقارير الدورية التي لم تعد تمتلك مبرراً للاستمرار. وهذا المسار الجيوسياسي الجديد يضع حلفاء الأطروحة الانفصالية، وفي مقدمتهم الجزائر، في مواجهة عزلة خانقة وعبء إنساني وسياسي مباشر فوق تراب تندوف دون وجود أي إطار أممي للمناورة؛ بينما تجد الجارة موريتانيا في التواجد العسكري المغربي المنظم صمام أمان حقيقي يضبط الحدود المشتركة ويرفع كفاءة التنسيق الأمني لمكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
أما اقتصادياً، فإن زوال الطابع الأممي للملف يسهم في التحييد التام لـ “علاوة مخاطر الاستثمار” التي كانت تتحفظ بسببها بعض القوى المالية الدولية، ليتحول الفراغ القانوني السابق إلى تحصين سيادي وجمركي كامل لكافة الشراكات والاتفاقيات التجارية الزراعية والبحرية للمملكة مع الاتحاد الأوروبي وباقي الشركاء الدوليين. وهذا التحول سيؤدي إلى تسريع تدفق الرساميل الغربية الكبرى للاستثمار المباشر في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر بالأقاليم الجنوبية، مستفيدا من الدينامية الدولية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، والتي مكنت من حشد دعم هام؛ إذ يؤيد أكثر من ثلثي أعضاء منظمة الأمم المتحدة بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة بوضوح مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي وحيد ونهائي في إطار السيادة المغربية، مما يكرس دور جهتي العيون والداخلة كقاطرة تنموية وبوابة أطلسية استراتيجية تربط الاقتصاد العالمي بعمق القارة الإفريقية ودول الساحل.

